للمزيد من القصص

 أسامة أبو عياش - "بإسم الأمل"

أسمي أسامة طلب عبد المجيد أبو عياش من مواليد وسكان قرية بيت أمر- الخليل. ولدت في تاريخ 11-02 -1966 في قرية بيت أمر وعشت طفولة عادية حتى بدأت الدراسة في المدرسة الإبتدائية في قريتي. بدأت أتعلم الكتابة والقراءة وأمورا كثيرة عن الحياة. تعرفت على أقاربي وأقارب أمي التي هي من مدينة نابلس. تعرفت على بلدي وعلى وطني فلسطين.
بعد أن بلغت السنة الثامنة من عمري عرفت أن والدي  فقد والده أي جدي  الذي استشهد في تاريخ 12- 05 - 1948 في أراضينا الواقعة في كفر عصيون، وسقط معه في نفس اليوم إثنان من أبناء إخوانه وستة محاربين من القرية. حدثني والدي عن الألم والمرارة التي تكبدها بعد استشهاد والده وعن الأرض التي احتلها منا اليهود، بل وحدثني عن الاحتلال لكل فلسطين، عن حرب 48 و67 حين كان عمري سنه واحده. وكيف حملني والدي وذهب بي أنا وأمي وجدتي إلى مغارة في قطعه ارض لنا تسمى أبو عيشه. والمغارة موجودة حتى اليوم. .
في العام 1975 كان عمري تسع سنوات، بدا والدي يعاني من الام في الصدر  وبدت الحياة مرعبة عندي لان الاطباء ومنعوه ان يعمل في الاعمال الصعبه والمتعبه . بقيت في المدرسة وكنت أعمل بعدها مع أمي في الأرض التي كانت مزروعة بجميع أنواع الفواكه التي كنا نعتاش من ثمنها. بدأت والدتي بالعمل الذي كان منزليا، أي قمنا بشراء ماكنة نسيج يدوية. لكن حمل أمي كان ثقيلا جدا بسبب عدد أفراد العائلة. وهم خمسة أبناء وثلاث بنات وأبي وأمي.
كنت أنا الابن الأكبر للعائلة. بدأ مستوى المعيشة يهبط حتى أصبحنا نحصل على قوتنا بصعوبة لأن والدي كان يحتاج أيضا إلى مصاريف علاج كثيرة حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم كنا نجلس في بيتنا ونتناول وجبة الغداء حيث بدا والدي ياعني مجددا من الام في الصدر وطلب مني احضار سياره على الفور لم يكن في البلده مستوصف طبي او سيارة اسعاف احضرت سياره من القريه وبدئنا في نقل والدي الى المشفى اثناء محاولة خروجنا من القريه كانت هناك مظاهره بسبب الحرب على البنان والمخيمات الفلسطينة في البنان اجتزنا المظاهره ووصلنا الى المخرج من القريه حيث انتظر هناك جنود الاحتلال للتصدي للمظاهره طلبو من السائق الوقوف وتوقف لم يقومو بفحصنا بدات اصرخ عليهم واقول لهم والدي مريض ويجب نقله الى المشفى قالو انتظر وبعد عدة محاولات لاقناعم ان والدي مريض لم يسمحو لنا بالمرور ولم نستطع العوده لان المتظاهرين وضعو المتاريس لمنع الجيش من دخول القرية في هذه الاثناء اصيب والدي بعدة جلطات ادت في النهاية الى استشهاده فبدأت اصرخ بلا وعي فسمح لنا بالمرور بعد أكثر من ساعه ونصف وصلنا الى المشفى كان والدي فارق الحياه قبل 15 دقيقه استشهد والدي في العام، 1982 وهو من مواليد 29- 06- 1922. أنا كنت قد بلغت عمر 17 عاما، أي الصف الثاني الإعدادي. تركت المدرسة مدة سنة وبدأت أعمل في الأعمال الصعبة مثل الكسارة التي يجرها التراكتور وكل الأعمال الشاقة. من راتبي اشترينا ماكنة نسيج حديثه تعمل بالكهرباء وعدت أدرس وأعمل حتى أكملت التوجيهي. بدأت الدراسة الحرة والعمل الحر. تعلمت القصارة. كنت أعمل وأدرس. حصلت على دبلوم علم النفس. لم اعمل به، بل عملت في الأعمال الحرة. لم تكن العيشة سهلة لأن الأمور كانت تمشي بصعوبة وذلك بسبب قلة فرص العمل وضغط الاحتلال مثل الاعتقال للتحقيق، اعتقلت ثلاث مرات كان آخرها في سنة 1990. هذه القصة أذكرها جيدا ولن أنساها مهما عشت لأن المحققين تفننوا في إيذاء نفسي وجسدي والطرق التي هي التعري الخزائن الكهرباء الماء البارد والساخن والشبح وعدم إعطائي الفرصة للذهاب إلى الحمام في الوقت المطلوب فكنت في معظم الأوقات أبول في ملابسي. والتهمة الموجة لي هي إطلاق النار على حافلة للمستوطنين المسافرة من القدس إلى الخليل حيث اعتقل منفذو العملية واخلي سبيلي بعد أن اخبرني المحقق بذلك وأبدى أسفه على ما عانيته من أصناف التعذيب آنفة الذكر. لم أكن انتمي إلى أي تنظيم سياسي ولم أشارك في الأعمال التي تقاوم الاحتلال لأني ببساطه كنت منشغلا بإيجاد لقمه العيش لعائلتي الكبيرة. بدأت أميل إلى حركه فتح بعد أن اختارت الحركة طريق السلام .
تزوجت في العام 1992 من مدينة نابلس. زوجتي من عائله طيبة وبسيطة. أفراد أسرتها هم ستة أبناء وأربع بنات. أحد إخوان زوجتي اسمه لؤي كان قد أصيب بعيار برصاصه من نوع دمدم متفجر في صدره حينما كان هو وزوجتي ينظران إلى الجنود من شباك منزلها. لقد كان طفلا عمره عشر سنوات. أصيب في عام 1988. أما شقيق زوجتي البكر فلم يحضر زواجنا لأنه كان في السجون الإسرائيلية يقضي حكم بأربع سنوات. خرج من السجن بعد زواجنا بسنة. بعد زواجنا بسنوات، أخ زوجتي الأول اسمه كمال كان عمره حينها عشرين سنة. تاريخ ويوم استشهاده هو 06 - 04 - 2002. وهاكم قصة كمال وكيف قرر الالتحاق في صفوف المقاومة في مدينة نابلس. كمال حين كان يبلغ 18 من عمره وكان يعمل في كراج لتصليح السيارات الواقع في نفس المدينة ولم يكن مكان العمل بعيدا عن المنزل الذي يسكن فكان يذهب إلى عمله ويعود ماشيا على الإقدام. وفي احد الأيام كان عائدا من عمله أوقفته مجموعه من الجنود الإسرائيليين وبدأوا بفحصه، طلبوا منه الهوية وسألوه لأي مكان أنت ذاهب ومن أين جئت فأجاب انه يعمل في كراج قريب وانه عائد إلى البيت سأله احد الجنود لماذا تضحك أجاب أنا لا اضحك وجهي بشوش، قال الجندي لا أنت تسخر منا، وما هذا السواد الذي على يديك، تقوم بصنع قنبلة أو حزام ناسف. أجاب كمال لا هذا وسخ نتيجة العمل في تصليح السيارات التي أقوم بتصليحها، بإمكانكم أن تأتوا معي إلى الكراج وتفحصون محتوياته. لكن الجنود بدأوا بتوجيه الضربات له بالأيدي والأرجل وبأعقاب البنادق حتى سقط على الأرض فتركوه وذهبوا. لم يمت كمال ولكنه أصيب إصابة بالغة حيث نزف الكثير من الدم الذي كان ينزف عن طريق الأذن جراء اللكمات على الرأس. جاء من رأوا الحادث وشهود الأعيان وحملوه إلى المستشفى في نابلس، وهناك زاره أهله وبعدهم أصدقاؤه المقربون الذين حدثهم عما حصل له وما يدور في رأسه، أي انه قرر الانتقام من هؤلاء الجنود حتى لو كلفه ذلك حياته. قال لهم حسنا أنا رجل أعمل وعندي بعض النقود وحينما أخرج من المستشفى سأشتري قطعه سلاح وأبحث عن هذه الفرقة من الجنود وأنتقم منهم، "سأعرفهم لأني لن أنسى هذه الوجوه المجرمة"، هذا ما قاله لأصدقائه. خرج من المستشفى ونفذ ما هدد به. اشترى قطعه سلاح ووضعها على جسمه وبدأ البحث عن الجنود. الجميع يعرف أن الجنود بعد فتره يتم تبديلهم، فلم يجدهم كمال ولم يطلق النار على جنود غيرهم. بعد سنه من حمله السلاح أصبح كمال مطلوبا للقوات الإسرائيلية وذلك بسبب حمله السلاح. عرفوا ذلك عن طريق العملاء والمتعاونين مع قوات الاحتلال فأصبح طريدا لهم حتى استشهد في تاريخ 06 - 04 -2002 عن عمر يناهز العشرين سنه. قتلوه ولم يأخذوا السلاح الذي كان معه. لقد ورث السلاح أخوه تيسير عمره 19 عاما. وقد قرر هو الآخر الانتقام لمقتل أخيه كمال وبعد استشهاد كمال بسنه واحدة استشهد تيسير لنفس السبب والطريقة. المهم لي في هذه القصة هو ما حصل لزوجتي بعد فقدان أخيها تيسير أيضا في تاريخ 01 - 05 - 2003.
في هذا اليوم كنت اعمل أنا على شاحنة باطون هاتفني شهاب أخ زوجتي واخبرني عن استشهاد تيسير وطلب مني إحضار انتصار زوجتي إلى نابلس وإخبارها انه أصيب إصابة بالغة ولم يمت خوفا عليها أن تنهار من صعوبة الخبر تركت عملي ورجعت إلى البيت فورا فوجدها تبكي عرفت أنهم اخبروها انه أصيب. أخذت بناتي الأربعة ووضعتهم عند أمي وسافرنا قاصدين نابلس لكن الطريق كانت صعبه جدا بسبب الإغلاق والمحاسيم والحواجز الترابية، وبدل أن نصل في غضون ساعتين استغرقت السفرة عشر ساعات لأننا من سيارة إلى سيارة وسيرا على الأقدام حتى وصلنا الشارع الذي فيه بيتهم. رأينا جماهير كثيرة تحيط بالبيت، وعرفت زوجتي أن تيسير قد استشهد بدون أن يخبرها احد، فبدأت بالصراخ والبكاء حتى وصلنا البيت.
لم يكن تيسير في البيت، بل كان في ثلاجة المستشفى، هناك انهارت زوجتي كليا وأحضرنا طبيبا لإسعافها، قام بإعطائها إبرة مهدئة وبعض الحبوب. هدأت بعض الشيء ولكنها لم تتنازل عن روية أخيها. ذهبنا بها إلى المستشفى ورأت تيسير وكانت هذه النظرة الأخيرة على أعز وأغلى وأحب واحد من إخوانها.
في صباح اليوم الثاني أخرجناه من ثلاجة المستشفى إلى القبر مباشره وبقينا يوما آخر وعدنا إلى بيت أمر بنفس الصعوبات السفر. وصلنا أمي وأخذنا بناتنا وعدنا إلى البيت وهناك بدأت المشكلة حيث انتهى مفعول المهدئات وعادت انتصار تفقد السيطرة على نفسها، أخذت تصيح وتبكي وتنادي على كمال وتيسير وتقلب الأشياء رأسا على عقب، وبدأ الصغار يصيحون معها. وقام إخواني بإحضار الطبيب لإعطائها المهدئات. بعد هذا تركت العمل وبقيت بجانبها. حالتها كانت صعبة جدا. وبالرغم من وجود أخصائيه اجتماعيه، بدأنا نعاني من قله المال وذلك بسبب عدم العمل لأنه عندنا في فلسطين لا يوجد من يغطي المنكوبين لأنهم كثيرون. بعد عدة اشهر تحسنت حالة زوجتي.
قررت أن أخرج من البيت في جولة في القرية. بعد عدت محاولات باءت بالفشل أخذت سيارتي وبدأت الجولة. في طريقي رأيت سيارة تحمل لوحه صفراء إسرائيلية تقف بالقرب من منزل أختي وزوجها وأسمه غازي. أخذني الفضول وأحببت أن أعرف من الذي عندهم في البيت، هل هم يهود وهذا غير جيد لي لأني لا أحب أن التقي بهم. نزلت من سيارتي وطرقت الباب، فتح لي غازي ورحب بي. سألته من عندك في البيت. قال أصدقائي. قلت يهود. قال نعم. قلت كيف هذا وهم قتلوا أخوك، هل نسيت دمه. قال ضيوفي أيضا فقدوا أعزاء لهم في التفجيرات وها هم هنا تفضل بالدخول وتحدث معهم إذا لم يعجبك الحديث اخرج. قلت أنا لا أخرج هم يذهبون بلا رجعه. ودخلت! وجدت إنسانا أسمه رامي الحنان. وقف احتراما لي وصافحني. شعرت أنه يريد أن يقبلني. سألته ماذا تعمل هنا، ألست خائف؟ قال لا كلنا بشر وبدأ يحكي لي قصته وكيف فقد ابنته التي يحبها ومدى اشتياقه لها وأنه يعترف بالألم الفلسطيني واعترافه بأنه يجب أن تقوم دوله فلسطينية وينتهي الاحتلال وانه يعمل على ذلك من خلال منتدى العائلات الثكلى الفلسطيني-الإسرائيلي. حدثني عن المنتدى وأعضائه وأهدافه وفعالياته. كان ذلك قويا ومقنعا. حدثته أنا أيضا عن قصتي ومن فقدت أنا وزوجتي. قال بإمكانك أن تكون عضوا في المنتدى أنت وزوجتك. قلت أنا ممكن أما زوجتي فوضعها صعب هذه الأيام، أما أنا فمن الآن عضو. بعد هذا اللقاء عدت إلى البيت وحدثت زوجتي عن اللقاء قلت لها إن هناك عائلات إسرائيلية تعاني وتبكي حين تفقد عزيزا، لم تصدق ذلك وقالت هم قتله لا يبكون بل يجعلون الفلسطينيين يبكون. حديثي معها لم يأت بنتيجة وبعد مده تعرفت أكثر على المنتدى وآمنت برسالته أكثر. طلب مني المشاركة في لقاء كبير أسمه صلحه، والمشاركون فيه هم من اختاروا طريق السلام وهم من البلاد والأردن وخارجها. أخبروني أن بإمكاني إحضار زوجتي معي. استشرتها، قلت لها انه هناك رحله إلى منطقه إسرائيلية وان بإمكانها الحصول على تصريح. سألت هل هناك يهود. قلت نعم ولكن ليسوا كثيرين، العرب أكثر، وافقت على المشاركة. وذهبنا، وكان معي أختي وغازي. في اليوم الأول سألت عن خيمة العائلات الثكلى ولماذا كلنا نقف بجانبها. قلت لها هنا اختاروا المشاركين من بيت أمر. حدثتني عن سلمى بدون أن تعرف اسمها قالت لي تلك المرأة فقدت أخوها وأبنيها الاثنين. قلت نعم اعرفها فقدت ابنيها في لبنان حيث كانا في الجيش الإسرائيلي. قالت لا تلك العربية. قلت نعم. قالت كيف وهم عرب. أخبرتها عن العرب الذين يعيشون في إسرائيل وإنهم يخدمون في الجيش.
في اليوم الثاني كانت انتصار تتجول بين الناس حيث لا تتحدث اللغة العبرية ولكن تتدبر باللغة الإنجليزية. جاءت إلي في نهاية اليوم الثاني وقالت لي لقد شاركت في حلقه تحدثت فيها عائلات إسرائيلية ثكلى سمعت بعض قصصهم. أتدري إنه نفس الألم ونفس المعاناة ونفس البكاء ونفس الدموع وحتى أكيد إن طعم الدموع المالحة هو نفس الطعم. أتدري إننا عائله ثكلى. لم اصدق ما اسمع، أهذه زوجتي التي تتحدث. أنا غير مصدق! بالرغم من الذهول الذي بي استمرت في الحديث قائله لماذا لا ننضم إلى منتدى العائلات الثكلى ونحن عائله ثكلى. قلت لها الآن سوف أكتب لك استمارة عضوية. فوجئت مني. سألتني ما علاقتي بالمنتدى. قلت لها إنني عضو منذ اللقاء الذي تم في بيت غازي. قالت أكنت خائن. قلت لا ولكن الظروف الصعبة وحالتك النفسية منعتني من البوح لك في ذلك الوقت. وهكذا أصبحنا نحن الاثنين أعضاء في منتدى العائلات الثكلى الفلسطيني الإسرائيلي.
لقد نجحت زوجتي بتجنيد أمها وأبيها وإخوانها وخوانها وعشرات العائلات الثكلى من مدينة نابلس.
هذه قصتي الشخصية وأدعو الله أن يوفقنا في نقل رسالة المنتدى واهم شعاراتها منع وقوع المزيد من الثكل الذي تعاني منه شعوب المنطقة وان يحل الصراع العربي الإسرائيلي بالطرق التي نؤمن بها كيف وفقط بالمفاوضات والاتفاق بين الطرفين مع احترام الحقوق القومية لكلا الطرفين.

مع كل الأمل
أخوكم, أسامة أبو عياش

  • كمال
  • كمال
  • كمال و تيسير
  • عائلة أبو عياش
  • عائلة أبو عياش
  • عائلة أسامة
  • تيسير
  • أسامة أبو عياش