للمزيد من القصص

محمد البوّ - "بسم الله الرحمن الرحيم"

نحن البشر ميزنا الله بان أعطانا العقل و أعطانا الحياة و أعطانا كل شيء جميل لنحيا حياة جميلة ومليئة بالتفاؤل و الأمل.
ولكن خالفنا كل هذه الأشياء الجميلة التي منحنا الله إياها وأصبحنا نصطنع الحروب والأعمال البشعة التي تشوه حياتنا.
اني لا أعلم من أين أبدأ بكلامي أو بالأحرى بآلامي فأنا إنسان بسيط مثل باقي البشر فتحت عيناي على هذه الدنيا وكنت لا أرى إلا أشياء لم افهم معانيها أو بالأحرى لم أعلم ما هي.
اني مثل باقي أطفال العالم عندما كنت طفلا كنت احلم بالحياة السعيدة الجميلة التي لا مشاكل فيها ولكن للأسف لم أرى منذ طفولتي سوى أطفال بسني يقتلون وزهرات من زهرات شعبي تبكي وأمهات تصرخ وتدمع دائما وتقول كفى ظلما ولكني لم أكن أدرك كل هذه الأشياء أو أعلم لماذا تحصل لشعبي.
كنت أرى كثيرا من الجنود يطلقون النار علينا نحن الأطفال كل يوم لماذا. لم أكن أعلم. كنت أتسائل دائما من هؤلاء? ولماذا يفعلون بنا هكذا? هل هم ليسوا بشر مثلنا? وأشياء كثيرة وكثيرة لم أعلمها.
بدأت قصتي عندما كنت في الثانية عشر من عمري في يوم من أيام المدرسة في الصباح كنت ذاهبا أنا وأخي فراس الذي هو أصغر مني بعام واحد وكنا كل الوقت معا لا نفارق بعض أبدا وفي طريقنا إلى المدرسة أنا وأخي سمعت صوت نيران فقلت لأخي تعال لنشاهد ما يجري ورأينا أطفالا يرشقون الجنود بالحجارة والجيش يطلقون النار على الجميع من كل مكان وفجأة سمعت صوت إطلاق نار قوي وكان قريبا جدا مني وبعدما سمعت إطلاق النار سقطت على الأرض.
ولم افتح عيني إلا في المستشفى ونظرت من حولي فرأيت فراس وأبي وأمي فقلت لفراس ماذا جرى لماذا أنا هنا ماذا حصل لي قال لي انك أصبت برصاصتين من المطاط في بطنك ولكن أنت بخير تسائلت كثيرا لماذا أنا ماذا فعلت ولكني أدركت فيما بعد من خلال الموقف الذي حصل لي ما معنى الاحتلال ما معنى الظلم ما معنى أن لا تعيش بأمان.
بعد هذه الواقعة التي حصلت لي أردت أن أكمل حياتي مثل باقي البشر فأكملت دراستي الثانوية وبعدها ذهبت إلى القدس لأكمل دراستي الأكاديمية وذهب فراس ليكمل دراسته في جامعة الخليل والتحق بقسم إدارة الأعمال وكانت عندنا الكثير الكثير من الأحلام التي كنا نود أن نحققها في حياتنا لنعيش حياة جميلة.
مثل باقي الشباب مثل باقي البشر كنا نأمل بحياة أفضل وأجمل وأكثر أمانا وحرية واطمئنان وكنت أنا وفراس لا نفارق بعضنا أبدا وطوال الوقت سويا أينما نذهب نذهب سويا كان أخي وصديقي وكل شيء في حياتي.
وبعد ما أكملت دراستي بالقدس ذهبت لأعمل في مجال عملي وهو الطباعة والجرافيكا وبقيت أعمل في القدس- أيضا- ولكن عند إنسان إسرائيلي هذه المره- وكنت لا أتحدث اللغة العبرية إطلاقا وبعد سنه من العمل تعلمت اللغة العبرية وأصبحت أتحدثها بطلاقة وأصبح لدي الكثير من الأصدقاء الإسرائيليين وكنا نتناقش في أمور كثيرة في كل شيء ولكن لم يكن يهمنا الوضع السياسي كثيرا لأنه ليس من أعمالنا نريد أن نعيش ليس أكثر.
فكانت أيامي جميلة بعض الشيء وعشت أياما اجمل أنا و فراس سويا حياتا هادئة بعض الشيء ليس فيها الكثير من المشاكل.
وفي يوم لن أنساه أبدا هو 23.2.2002 هذا التاريخ غير تاريخ حياتي ففي هذا اليوم الذي هو كان يوم عيد الأضحى عند المسلمين وكنت جالس مع كل العائلة في البيت وكنت أنا وفراس نجلس سويا فقال لي يا محمد أريد أن أذهب إلى أصدقائي فقلت له أذهب لكن أنت تعلم أن الوضع الأمني عندنا ليس جيدا فقال لي لا تقلق فهذا يوم عيد واطمأن إن الأوضاع جيدة ؟
ذهب فراس ليحتفل بالعيد مع أصدقائه- وكنت متعبا وكانت الساعة الثامنة مساء عند ذهابه وبعدما غادر البيت ذهبت للنوم وفي اليوم التالي ويا ليته لم يأتي هذا اليوم جاء أخي الصغير وأنا نائم وأمسك بي وهو يصرخ ويبكي ويقول لي محمد محمد ففتحت عيناي فقلت له ماذا ما بك قال لي فراس يقولون أن فراس قد أستشهد فاعتقدت أني أحلم وعدت للنوم ثانية ومرتا أخرى يقول لي محمد أنهض يقولون أن فراس قد أستشهد ففتحت عيناي ويا ليتني لم أفتحها ونظرت إلى سرير فراس الذي هو بجنبي فلم أجد فراس.
وقمت مسرعا ورأيت أبي فقلت له ماذا جرى فقال لي فراس فراس فقط اسمه ليس أكثر فقلت له أبي ماذا حدث فقال لي فراس فقط كان أبي ينطق باسم فراس فقط ونظرت من حولي فرأيت أناسا كثيرون وخرجت من البيت مسرعا مثل المجنون أو بالأحرى كنت مجنونا بالفعل وأمسك أصدقائي بي وعلمت أن فراس موجود في المستشفى فذهبنا مسرعين ودخلت المستشفى ووصلت إلى الغرفة التي موجود بها فراس.
لا أعلم ماذا أقول لكم رأيت شخصا الرصاص غير كل معالمه لم أصدق ما رأيت فراس الملاك- فراس الحياة- فراس الصديق- فراس الأخ- كان في جسده أكثر من سبعة وعشرون رصاصة في كل مكان في جسمه في كل مكان حتى في عينيه لم أرى سوى رصاصا بداخلها لا اعلم ماذا أقول والله لا أعلم بعد هذا المشهد الذي لن أنساه طيلة حياتي سقطت على الأرض مغميا علي- وبعد لحظات فتحت عيناي وتمنيت أن يكون ما رأيته هو حلم ولكني أيقنت انه ليس بحلم بل هو الواقع المؤلم.
علمت أن سعادتي قد ذهبت مع فراس وعلمت أن أحلامي قد ذهبت مع فراس وعلمت أن كل شيء قد ذهب مع فراس باختصار علمت أن كل حياتي ذهبت ولم يبقى منها سوى الألم.
فراس- ماذا فعل فراس؟ أين فراس ؟ وما ذنبه؟
لقد علمنا كما أفاد الارتباط العسكري انه استشهد على بعد ثلاثة عشر متر من نقطه عسكرية وأفادوا انه لم يكن يحمل السلاح.
أو بالأحرى المشكلة الأساسية أنه فلسطيني- ذهب فراس وذهبت كل أحلامه معه وكان بالسنة الأخيرة بدراسته في الجامعة والذي كان يسعى لتحقيق أحلامه وأمنياته ولكن ذهب ولم يعد.
أما أنا فالتزمت الصمت وكنت متخبطا كثيرا ماذا أريد تركت عملي في القدس وتركت أصدقائي وتركت كل شيء في حياتي فقد أردت أن أجلس لوحدي أخاطب نفسي ماذا أريد؟ ماذا أفعل لفراس؟ ما هو الشيء الذي يطفي ويبرد النار التي تشتعل بداخلي ؟ أردت أن أقتل كل إسرائيلي من حولي لكي أنتقم لفراس أردت أن أفعل أشياء كثيرة ولكن بعد فتره من استشهاد آخي وصلت إلى طريقين طريق الانتقام وهو طريق سهل جدا ولكن من من أنتقم ؟ من الشعب الإسرائيلي ؟ لكن الشعب الإسرائيلي لم يقتل أخي وإذا قتلت الشعب الإسرائيلي هل سيعيد ذلك أخي؟ هل سيعيد ذلك الابتسامة التي فقدتها إلى الأبد طبعا لا.
ذلك الجندي الإسرائيلي المحتل هو الذي قتل أخي وليس كل الشعب الإسرائيلي- باختصار الاحتلال فقط سبب كل ما يعاينيه الشعبين.
أما الطريق الثاني وهو أن أعمل شيء لشعبي ولفراس أو بالأحرى شيء لكي يوصل شعبي إلى طريق الأمان فكرت كثيرا وكثيرا ماذا أفعل ؟ أدركت أمرا أنه لا بد لي أن أمشي في طريقا يصلني إلى نور يحيا به شعبي بدون احتلال وأنا أعلم أن الطريق إلى السلام هي طريق وعرة وصعبة جدا ولكن لا بد لي أن أسير بها ولكن أنا وحدي ؟ ماذا أستطيع أن أعمل؟
وبعد وقت طويل وأيام كثيرة سمعت عن منتدى يدعى( منتدى العائلات الثكلى الفلسطيني الإسرائيلي من أجل المصالحة والسلام )أعجبني هذا الاسم وأثار اهتمامي- ولكن بنفس الوقت لم اكن أؤمن بان الشعب الإسرائيلي يريد السلام أو يسعى إليه-ولكن بعد فتره من مطالعتي على أمور منتدى العائلات أدركت أخيرا انه يوجد أناس كثيرون من الشعب الإسرائيلي يسعون إلى السلام وقمت بالانضمام إلى هذا المنتدى قبل سنتين وها أنا الآن أحاول أن أفعل شيئا ليوصلني ويوصل شعبي إلى طريق السلام والامان والى الدولة الفلسطينية المستقلة ولأوصل رسالتي إلى جميع الشعوب وأولهم الشعب الإسرائيلي وأقول لهم أننا نريد أن نعيش وليس أكثر وأننا شعبين كتب لنا أن نحيا بهذه البقعة الصغيرة من العالم ولا بد لنا أن نحيا سويا وأرجو من الله أن يعطيني القوة والصبر والتحمل ولو أردت أن أتحدث عن معاناة شعبي لكتبت ملايين الصفحات.
ولكن من يريد أن يعلم ما هو الشعب الفلسطيني لا بد أن يعلم أننا كلنا بشر.

  • Firas01
  • Muhamad_Firas01
  • Mahmad_Firas02
  • Muhamad02
  • Muhamad01
  • Muhamad03