للمزيد من القصص

بشرى عوض - "دموعنا بنفس اللون"

متزوجة وأم لثمانية، ربة منزل، تزوجت في سن مبكر، وبعد خمس سنوات رزقت بالمولود الأول محمود، الذي أضفى لحياتي معنى ولون، غمر حياتي بالسعادة والأمل، كان في غاية الجمال والوسامة، واصبح هدف حياتي أن أرعاه وأربيه أفضل تربية ليصبح شيئاً كبيراً. وضعنا الإقتصادي كان صعباً وعندما كبر محمود أصبح يعمل ويدرس حتى يساعد والده لتحسين الظروف الإقتصادية للعائلة.

في الانتفاضة الأولى كان محمود لا يزال صبياً صغيراً، وكنت عندما اشاهد الشهداء الأطفال والصبيان وأشاهد الأمهات مع الحسرة واللوعة على أبنائهم، كنت أحمد الله بأن محمود لازال طفل وعندما يكبر لن يكون هناك انتفاضة.

في 24-01-2008 استشهد شابان في بيت أمر على يد قوات جيش الإحتلال الإسرائيلي في منطقة عصيون، وفي اليوم التالي 25-01-2008 حضرت قوات الإحتلال بهدف هدم بيوت الشبان، حيث خرج أهل القرية للتظاهر والاحتجاج ضد هدم البيوت. إبني محمود كان ضمن المتظاهرين، وقد بدأ الجيش بمهاجمة الناس وأخذ الشبان يلقون عليهم الحجارة والجيش يرد بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع، دخل محمود الى البيت ومعه اخوته وقال لي: "لا تسمحي لهم بالخروج من البيت، يوجد اشتباكات وخطر في الخارج". طلبت منه البقاء في البيت هو أيضاً وأن يقوم باستكمال دراسته لأنه كان في التوجيهي، فقال بأنه في البيت وأن لا أخاف عليه. كنت متأكدة بأن محمود في البيت ولم اشاهده يغادر وبدأت بإكمال أعمالي المنزلية.

وبعد لحظات سمعت إطلاق نار بشكل كثيف، ومباشرة توجهت الى غرفة محمود، ولكني لم أجده، وطلبت من والده الخروج للبحث عنه وإحضاره.

مع إطلاق الرصاص، راودني شعور غريب وخطير، وشعرت بأن محمود أصابه مكروه، وسمعت مباشرة صوت سيارة إسعاف، زوجي لم يعد للبيت، وبعد حوالي ربع ساعة جاء إبن الجيران، وأبلغني بأن محمود أصيب في الأحداث قبل قليل، وتم نقله للمستشف ولكنه بحالة جيدة.

غادرت بجنون الى المستشفى، وكنت غاضبة جداً على محمود الذي لم يسمع كلامي وغادر البيت، وقلت في نفسي بعد أن يعود للبيت ويشفى فأنني سوف أعاقبه على ذلك. وصلت المستشفى في الخليل، وجدت زوجي يبكي وهو يصرخ ويقول "محمود راح"تجاهلته وكأني لا اريد أن اصغي لما يقول، ولا اريد أن أصدق، حتى من أخوتي وأخواتي وبقية الأقارب، رفضت الدخول للمستشفى لأني لا اريد أن اراه جثة، ألقيت نظرة الوداع الأخيرة عليه في المسجد، قبل أن يصلوا عليه ويدفن.

الإنتقام ملء قلبي، حزن وألم وحسره بلا نهاية وبلا حدود، اصبت بحالة انطواء وأهملت زوجي وبيتي وأطفالي واستسلمت للحزن والبكاء على محمود، وكنت فقط أنتظر الموت حتى ألقاه.

مرت ثلاث سنوات وانا على نفس الحال، صديقتي في البلدة عرضت علي الإنضام لمنتدى العائلات المشترك. رفضت بشدة وقلت كيف لي أن أضع يدي في يد من قتل إبني من الطرف الإسرائيلي. وبعد فترة طلبت مني الحضور الى منزلها لإحتساء القهوة، وهناك وجدت إمرأة إسرائيلية وإسمها روبي، مباشرة هممت بالخروج ولم أرد لقائها أو الحديث معها، لكن المرأة قامت وطلبت مني البقاء، وأنها تريد أن تستمع الى قصة إبني محمود، جلست وبدأت أحدثها وبدأت تبكي بعد أن شاهدت صورة محمود، ثم بدأت تحدثني عن قصتها وقصة إبنها الذي قتل على يد شاب فلسطيني في العام 2002.

انها نفس الدموع ونفس الآلم، جمعنا التعاطف كأمهات فقدت أبنائهن. وبعدها حضرت لقاء مشترك بين أمهات فلسطينيات وإسرائيليات ممن فقدن أولادهن، وشاهدت أجواء مختلفة، مريحة وصادقة، معاناة في الطرفين، والجميع متفق أن هناك حاجة لوقف الدم وصنع السلام وإنهاء الاحتلال. أمنت برسالة المنتدى، وانضممت اليه، وانا ناشطة جداً حتى الآن.

بشرى عوض - من سكان بيت أمر، الخليل

 

  • Mahmud01
  • Bushra01