للمزيد من القصص

عزيز أبو سارة - "صراع بجوار البيت"

تستطيع الكارثة أن تضرب أمتك والدولة، أو أن تقرع باب الجار، لكنها ما دامت تضرب أحدا آخر، فأنها تكون على مبعدة آمنة منك.
مثل الكثيرين في القدس، رأيت عندما ترعرعت الكثير من الناس يموتون نتيجة النزاع الذي لا حاجة إليه. أحسست بالأسف لكنني واصلت عيش حياتي كما مضى تماما. كان ردي مثل رد أولئك الذين يرون حادثة على جانب الطريق، ويفكرون؛ كم هو الأمر مُحزن ثم يتابعون السير.
تغيرت حياتي تغيرا دائما في اللحظة التي طرقت الكارثة فيها بيتي وعائلتي، لقد كانت الضحية أخي.
في ربيع 1990، تقاسمت وأربعة من إخوتي غرفة واحدة. في صباح عادي تنبهت في الخامسة صباحا والجنود الإسرائيليين يدهمون غرفتي. طلبوا إلينا بطاقات هوية وحققوا معنا الخمسة. أين كنتم أمس؟ هل رميتم الحجارة؟ أرادوا جوابا وعندما لم يحصلوا عليه، أخذوا أخي ابن الثامنة عشرة، معهم. استعطفت الأم الجنود بيأس لكنهم أخذوا تيسيرا معهم. لن تلمسه بعد حتى انقضاء أحد عشر شهرا، عندما يُسرح من السجن.
اعتقل تيسير في حجز إداري (بلا محاكمة). حُقق معه لخمسة عشر يوما، وضُرب وعُذب إلى أن اعترف بأنه رمى السيارات الإسرائيلية بالحجارة. في أثناء مكوثه في السجن التقينا به ثلاث مرات. بالرغم من أن الأحاديث معه دارت وبيننا جدران تفصلنا، استطعنا أن نرى أن صحته تتدهور بسبب الضرب. وفي النهاية، في الأيام الأخيرة من آذار، سُرح من السجن. كان وضعه الصحي حرجا، كان يتقيأ الدم. نقلناه مذعورين إلى المستشفى.
ثبت تيسير نحو ثلاثة أسابيع، قبل أن قضى نحبه بعد عملية جراحية. كنت آنذاك في العاشرة وكان تيسير يُقاربني في السن، صديقا وأخا. لم أستطع قبول موته. لقد اعتاد مساعدتي في الدروس المنزلية ، وصحبني إلى المدرسة في أيام الأحد هناك.
أصبحت أشعر بالمرارة والغضب. أدركت حتى وأنا في العاشرة أن موته غير طبيعي وأن أحدا ما مسئول عن موته. نشأت مع غضب ليذع قلبي ويُحرقه. أردت العدل. أردت الانتقام.
في أثناء سنواتي في الثانوية ابتدأت أكتب في مجلة للشبان كنت أكتب فيها كتابة دائمة وأكتب مقالتين كل أسبوع. كتبت بغضب وبشعور بالمرارة واستعملت ألمي لبث الكراهية للجانب الآخر. قادني نجاحي سريعا إلى منصب محرر المجلة. ولكن كلما كتبت أكثر ازداد الإحساس بالفراغ فيّ والغضب. في النهاية أرهقني الغضب، وتركت المجلة وحاولت أن أغادر البلاد.
لم تنجح محاولتي ترك البلاد. بعد أن أنهيت الثانوية وجدت نفسي عالقا في القدس. رفضت تعلم العبرية عندما كبرت، فقد كانت لغة العدو. والآن، للتعلم في الجامعة والوصول إلى مهنة جيدة، كان يجب علي أن أتصالح. ابتدأت أدرس في النادي، وهو مكان يدرس فيه اليهود والمهاجرون الجدد. كانت تلك أصعب التجارب الشعورية التي جربت حتى ذلك الحين لكن نتائجها كانت أفضل ما فزت به. كانت تلك المرة الأولى التي جلست فيها في الغرفة إلى يهود لم يكن واحد منهم فوقي. كانت تلك المرة الأولى التي رأيت فيها وجوها لا لجنود في الحواجز. أخذ الجنود أخي، وكان هؤلاء الطلاب مثلي تماما. ابتدأ التصور الذي كان لي عن اليهود ينهار بعد بضعة أسابيع في النادي. وجدت نفسي مبلبلا، وفكرت هل يمكن أن يكونوا أناسا مثلي تماما؟ دهشت لأنني استطيع أن أواصل أولئك الطلاب، وأن أتصل بصعوباتهم. خرجنا معا لشرب القهوة. درسنا معا. وكشفنا أحيانا عن أننا نهتم بالأمور نفسها. كانت تلك عندي نقطة تحول في الحياة.
خلصت إلى فهم أن انعدام الحظ يحدث في حياتنا على غير إرادة منا. لا يوجد لولد في العاشرة مسؤولية أو تأثير في الجنود الذين أخذوا أخاه، لكنني الآن وأنا بالغ، استطيع تحمل المسؤولية عن ردودي بعقب ألم الثكل. لقد سلكوا سلوكا لا عدل فيه وقتلوا تيسيرا، لكنني كان لي خيار وما يزال موجودا، فهل أختار، نفس الطريق أم لا.
في كل يوم أعيشه، أرفض أن أصير مثل أولئك الجنود قبل 15 سنة وأختار أن أضع جانبا ذلك الغضب الذي صحبني فتى مترعرعا. سأملك دائما هذا الخيار. إن قرارا صعبا أن تتخلى عن الانتقام وعن الطريق السهل الذي تمضي فيه في إثر المشاعر. لكن الكراهية تُولد الكراهية، وتلك الوسائل التي تستعملها في نظرك إلى الآخرين سيستعملونها معك. ونتج عن قراري أنني يجب علي في كل يوم أن أختار مرة أخرى أن أُحب وأن أغفر لأولئك الذين حولي.
إننا كبشر نحاول البحث عن عِلل وشروح ومسوغات للكراهية التي نشعر بها. إننا نجعل العدو شيطانا في عقولنا، ونشك في إنسانيته. هذه هي الأكذوبة التي تؤجج الصراع بين إسرائيل وفلسطين.
ربما لا أرى العالم يبني نفسه من جديد ليصبح إنسانية كاملة. ولكن برغم ذلك، أحس بأنه يجب علي أن أعتقد أن أدوات السلام ليست العنف والكراهية. والى ذلك أشعر بالتزام أن أستعمل الآلام لنشر السلام، وهو شيء أفضل من إيقاد الكراهية به، وفي الخلاصة، سيبتلعني أيضا. أعتقد أنه يجب علينا جميعا أن نقوم بالأفضل لصنع السلام لا أن ننتظر إلى أن يطرق الثكل البيت. لأنه بعد كل شيء، لا توجد حرب حسنة أو سلام سيء.

 

  • Taisir01
  • Aziz02
  • Aziz03