للمزيد من القصص

عايشة أقطم - "ثلاثة وستون يوم بعد العرس"

أخي, محمود الخطيب, أصيب في 27 أب 1989, كان يبلغ من العمر 17 عاما وأنا 18 عاما.
كان في طريقه إلى بيت عمي الذي يسكن على بعد نصف كيلومتر من الشارع الرئيسي.
عندما كان محمود في طريقه, خرج بعض الشبان لرمي الحجارة على الجنود في الشارع الرئيسي.
الجنود الذين كانوا على بعد لم يتبينوهم. أخي محمود كان يلبس قميصا احمر وربما لهذا السبب برز أكثر من غيره أمامهم.
قناص يهودي أصابه برصاصه اخترقت قلبه وخرجت من ظهره. اسعف في مستشفى رافيديا الذي لا يملك التقنيات ألمتقدمه, ولكنهم فعلوا من اجله ما قدروا عليه. في عمليه جراحيه معقده اقتطعوا جزءا من قلبه واستطاعوا إبقائه على قيد الحياة.
الطبيب المعالج اخبر محمود ولبي أن قلبه ممكن أن يتوقف عن النبض في أي لحظه. من وجهة نظر الأطباء كان إنقاذه وإبقائه على قيد الحياة بمثابة معجزه. لقد عاش في صحة جيده ولكنه لم يخبرنا أبدا بكلام الطبيب.
في تموز 1999, تزوج محمود. ستة وثلاثون يوما بعد زواجه, في يوم جمعه, خرج ليمارس ألرياضه مع أصحابه كما هي عادته على مر السنين. محمود مارس لعب كرة القدم وكرة ألسله. أصحابه تقسموا إلى مجموعات, أما هو فقد شعر بوعكة وطلب منهم أن يجلس ليرتاح قليلا, وبعد دقائق معدودة توقف قلبه عن النبض, وتوفي عندما كان يبلغ من العمر 27 ربيعا.
أنا ومحمود كنا قريبين جدا من بعض, كان يصغرني بسنه, كنا بمثابة أصدقاء, وكان يطلعني على كل ما في حياته, حتى الأشياء ألصغيره, كنت على علم بما يحب وبما يكره.
فقدانه كان أصعب شيء في حياتي والألم لا يمكن أن يمر بتاتا, اذكر كم كان يرعاني في مرضي, كان يهتم بنا جميعا لكنه كان يخصني باهتمامه ومحبته. كان يزورني دائما, يسألني عن أموري ويهتم بشئوني. وقت قليل قبل موته أباح لي عن إحساسه بأنه لم يعد أمامه الكثير من الوقت ليعيش.
موته ترك أثرا كبيرا على أفراد عائلتي, أخي أصيب بانهيار عصبي وعولج نفسانيا, وأنا توقفت عن الأكل.
عانيت كثيرا من موته وما زلت, كان اقرب إخوتي إلي. بعد موته لم ادري ماذا افعل, راودتني الكثير من أفكار الانتقام لكني عرفت أن كل عمل انتقامي سأفعله لن يحسن من شعوري وسيزيد من مأساة أهلي.
محمود توفى في نفس التاريخ الذي أصيب فيه, 27 أب, أبي قال بعد موته: "عرفت دائما أن هذا تاريخ شؤم عليه".
بعد مرور عدة سنوات سمعت عن نادي العائلات الثكلى الإسرائيلي والفلسطيني من اجل ألمصالحه والسلام. ألفكره أثارت فضولي وقررت أن أخوض التجربة. تطلبت الكثير من الوقت لكي افهم نقطة النظر الخاصة بالنادي, وشعرت أن طريقهم هي الطريق الو حيده التي بوسعها مساعدتي أن أعيش مع ألمي وحدادي الشخصي.
تحولت إلى عضوه فعاله في النادي واليوم أنا اتراس مجموعة النساء الفلسطينيات وأشارك في فعاليات كثيرة التي من خلالها التقي بأناس مثلي يقفون ضد سفك الدماء, أناس يؤمنون بالإنسان والانسانيه. أنا فعاله في النادي لأني أؤمن بطريقه التي تقاوم القتل والعنف, احترم هذه ألفكره وأنا جزء منها.
أنا اعتقد أننا نحن العائلات الثكلى من الطرفين ملزمين بالعمل من اجل ألمصالحه والسلام. لأننا نعرف الثمن الباهظ الذي دفعناه وما زلنا ندفعه في كل يوم. نحن متأكدين أن ما يجلب السلام ليس العنف والقتل إنما الصبر والتسامح.
أنا من سكان نابلس التي تعتبر من أصعب البلاد التي يمكن العيش بها في الضفة ألغربيه. تجولت في عدة بلاد, منها جنين وراملله التي بهما الوضع الاقتصادي أحسن بقليل حيث فرص العمل متاحة أكثر.
نابلس منعزلة, لا يمكن الخروج من ألمدينه من دون أن تعبر عدة حواجز, الوضع الاقتصادي صعب للغاية, ليس هناك فرص عمل والجيش يدخل ويخرج عدة مرات خلال النهار والليل.
أنا اليوم اسكن في الشارع الرئيسي في ألمدينه, وأشاهد الجيش عند دخوله وخروجه. الحياة في نابلس تتوقف في الساعة الخامسة مساءا وفي السادسة يدخل الناس إلى بيوتهم ليخرجوا منها في اليوم التالي فقط.
أنا أم لستة أبناء, عندما يتأخر أولادي في الرجوع إلى المنزل ينتابني الخوف والقلق. أخاف أن يتعرضوا في رجوعهم إلى مشكله من نوع المشاكل التي نحياها يوميا في نابلس, ولا يتمكنوا من الرجوع إلى المنزل.
أنا أؤمن أن فكرة السلام يجب أن تعاش في البيت أولا, وعلى هذا الأساس أنا اربي أولادي, دائما أقول لهم أن الدم والقتل لن يؤدوا أبدا إلى انتهاء النزاع. العنف يجر مزيدا من العنف والدماء. نحن, عربا ويهودا ملزمين بإيجاد الحل لحياه مشتركه.
الموت تجربه صعبه, جربته مرتين مع إخوتي الاثنين بفارق شهور قليله (أخي الأخر وقع عن بنايه خلال عمله, وتوفي شهور قليله بعد موت محمود. عندما كان واقفا على قبر محمود قال لي انه يشعر أن موته قريب) الألم والفراق هم شيء لا يحتمل ونحن مرغمون على إيقاف القتل المتبادل. الطرفان فقدوا الكثير. تقريبا كل بيت فلسطيني فقد احد أبنائه, وذوي الحظ الذين لم يفقدوا شخصا من بيتهم فقد فقدوا قريبا أو صديقا أو جار جراء هذا النزاع.
أمي ما زالت تبكي على أخي, ومثلها كل الأمهات, عرب أو يهود, فلسطينيين أو اسرائيلين, مسلحين أو غير مسلحين, لجميعنا يوجد عائلات.

  • محمد
  • عائشة
  • عائشة
  • عائشة
  • عائشة